محمد بن جرير الطبري
32
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
ولم نكن شيئا ثم أمتنا ، ثم أحييتنا . حدثني يعقوب ، قال : ثنا هشيم ، عن حصين ، عن أبي مالك ، في قوله : أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ قالوا : كانوا أمواتا ا فأحياهم الله ، ثم أماتهم ، ثم أحياهم . وقال آخرون فيه ما : حدثنا محمد ، قال : ثنا أحمد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، قوله : أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ قال : أميتوا في الدنيا ، ثم أحيوا في قبورهم ، فسئلوا أو خوطبوا ، ثم أميتوا في قبورهم ، ثم أحيوا في الآخرة . وقال آخرون في ذلك ما : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ قال : خلقهم من ظهر آدم حين أخذ عليهم الميثاق ، وقرأ : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ فقرأ حتى بلغ الْمُبْطِلُونَ قال : فنساهم الفعل ، وأخذ عليهم الميثاق ، قال : وانتزع ضلعا من أضلاع آدم القصرى ، فخلق منه حواء ، ذكره عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : وذلك قول الله : يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً وَنِساءً قال : بث منهما بعد ذلك في الأرحام خلقا كثيرا ، وقرأ : يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ قال : خلقا بعد ذلك ، قال : فلما أخذ عليهم الميثاق ، أماتهم ثم خلقهم في الأرحام ، ثم أماتهم ، ثم أحياهم يوم القيامة ، فذلك قول الله : رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا وقرأ قول الله : وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً قال : يومئذ ، وقرأ قول الله : وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وَأَطَعْنا وقوله : فَاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا يقول : فأقررنا بما عملنا من الذنوب في الدنيا فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ يقول : فهل إلى خروج من النار لنا سبيل ، لنرجع إلى الدنيا ، فنعمل غير الذي كنا نعمل فيها ، كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ فهل إلى كرة إلى الدنيا . القول في تأويل قوله تعالى : ذلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ وفي هذا الكلام متروك استغني بدلالة الظاهر من ذكره عليه ؛ وهو : فأجيبوا أن لا سبيل إلى ذلك هذا الذي لكم من العذاب أيها الكافرون بِأَنَّهُ إِذا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ فأنكرتم أن تكون الألوهة له خالصة ، وقلتم أَ جَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً . وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا يقول : وإن يجعل لله شريك تصدقوا من جعل ذلك له فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ يقول : فالقضاء لله العلي على كل شيء ، الكبير الذي كل شيء دونه متصاغرا له اليوم . القول في تأويل قوله تعالى : هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آياتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ رِزْقاً وَما يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ يقول تعالى ذكره : الذي يريكم أيها الناس حججه وأدلته على وحدانيته وربوبيته وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ رِزْقاً يقول ينزل لكم من أرزاقكم من السماء بإدرار الغيث الذي يخرج به أقواتكم من الأرض ، وغذاء أنعامكم عليكم وَما يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ يقول : وما يتذكر حجج الله التي جعلها أدلة على وحدانيته ، فيعتبر بها ويتعظ ، ويعلم حقيقة ما تدل عليه ، إلا من ينيب ، يقول : إلا من يرجع إلى توحيده ، ويقبل على طاعته ، كما : حدثنا محمد ، قال : ثنا أحمد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي إِلَّا مَنْ يُنِيبُ قال : من يقبل إلى طاعة الله . وقوله : فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين به ، فاعبدوا الله أيها المؤمنون له ، مخلصين له الطاعة غير مشركين به شيئا مما دونه وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ يقول : ولو كره عبادتكم إياه مخلصين له الطاعة الكافرون المشركون في عبادتهم إياه الأوثان والأنداد . القول في تأويل قوله تعالى : رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو الْعَرْشِ . . . مِنْ عِبادِهِ